2020.. تناثرت الأوراق المتساقط
أن الحديث عن 2020 يحتاج وقوفًا طويلًا، لن تستطيع أن تجد كلمة تليق بوصف هذا العام المليء ضجّ بالسكون حتى ضقنا به
لكن شيء ما بداخلي يحب التاريخ جدًا يشعر بشيءٍ من الرضا -ربما- لأنه عايش عامًا كهذا
لا أعني أني سعيدة بهذا العالم أو يسرني ما حدث فيه، على الإطلاق!
لكن أقدار الله سارية وهذا القدر المختلف يعجبني أني عايشته، ليس أنني سمعتُ عنه أو قرأته.
بدايةً الحمدلله على قضائه وقدره، معاذ الله أن نكون قانطين، يائسين ونسأله أن يكون صبرنا على انقلاب حيواتنا في ميزان حسانتنا.
ولا أعرف ربما لا يكون وصف انقلاب لائقًا، لكن حياتنا ما قبل هذا العام لا تشبه أبدًا ما بعده، قد نحاول لكننا فقط نحاول.
لكني قد أعنون هذا العام بـ "أن كثيرًا مما اعتبرناه ضروريات حياتنا تعلمنا هذا العام أنه ترف بحت"، تغيّر علينا الكثير، وفقدنا الكثير، واستغنينا عن الكثير ولم تكن الحياة قاتلة ولا بائسة.
وأعتقد أن أبرز ما علمتنا إياه كورونا كيفية إدارة حياتنا على نحو مختلف، وأظن أنه أصبح لدينا وعي مختلف بذواتنا، انعدم الخيارات وحصرنا بذات الإطار جعلنا نجرب أشياء لم نفكر ربما قبلًا في تجربتها، كل هذه التجارب الجديدة والمحصورة بنطاقٍ واحد جعلت لدينا وعيًا مختلفًا بذواتنا، بدواخلنا، ما نحب وما نكره وما هو ضرورة فقداننا لها ترك فراغات موجعة في قلوبنا، وما هو مجرد فائض نقصانه لم يؤثر فينا.
وقد أعطانا هذا العام إدراكًا مختلفًا لما نمتلكه في حياتنا، وعلّمنا كيف يكون الامتنان لكل هذه الأشياء نمتلكها لكننا لم نسبق أن نلاحظه وندرك قيمته، الأهل والصحة والعافية والبيت الآمن، والكثير من تفاصيل حياتنا التي نعيشها ولا نراها.
ومن أعظم آثار هذا العام فينا أننا أدركنا أهمية علاقاتنا العائلية والاجتماعية، والبعض العاطفية، وارتباطنا بالناس من حولنا.
العائلة كانت الشعور المختلف، شديد اللذة والمتانة وبوسعك أن تتكئ عليه ولا تخاف انكسار ظهرك، طالما كانت علاقتي بعائلتي أهم روابطي في الحياة، لا أجاهد من أجل شيء في حياتي إلا جهادي من أجل علاقتي بعائلتي حتى وصلت في مرحلة لقناعة أني لم أعد أجاهد وصلت للكمال فيها، لكن هذا العام علّمني أني لازلت أحتاج للكثير فيها، ولا أظن أن تلك الأيام الطويلة التي قضيناها برفقة بعضنا البعض هي كافية لكنها كانت كل شيء يمكنني الشعور به الآن، عرفنا بعضنا البعض من مسافة لم ولن نكون أكثر قربًا فيها من قبل ومن بعد، بظني لقد انعدمت تلك المسافات، عرفنا لماذا نحن عائلة
ورغم انقطاع المسافات مع صديقاتي، وأقاربي لكن استطعت أن أبني جسرًا متينًا بين قلبي وقلوبهم، تحدثنا في "القروبات" طويلًا، ضحكنا، تناقشنا، اختلفنا قليلًا واتفقنا كثيرًا.
ولكم أدين بسحر التكنولوجيا إضافةً لتلك الجسور اللي مدتها بيني وبين الناس، فتحت لي أبواب التجربة المختلفة، البحث عن أشياء جديدة بالنسبة لي، سمحت لهذا الوقت الذي يمر بطيئًا وأنت لوحدك قد لا تفعل شيئًا أن تفعل أشياءً لا تحصى، كما أنها سمحت لنا بكافة اختلافاتنا أن نتشارك (طقوس) هذا العام، أشعرتنا بالألفة التي هي ما هوّنت علينا هذا العام شديد الترقّب والحذر.
فأنا ممتنة لكل هذا، عائلتي، أصدقائي، لكل شيءٍ هوّن عليّ وطأة هذا العام، ونسيتُ أن أذكر أني أدركتُ بعد عيشي 26 عامًا في قرية صغيرة أني أحب الطبيعة، وصوت الطبيعة وأنفاسها، والهواء الطلق، والسكون، وضجيجها الخافت المريح، تتيقظ في هذه القرية الصغيرة كل حواسي، وتتنفس روحي، فأنا شديدة الامتنان للطبيعة الفسيحة، وأفيض حمدًا لأني تشاركتُ هذا العام معها.
وعلى المستوى الشخصي جدًا حمل هذا العام وجعًا لم أختبره من قبل، وكأن أقدار الله تشاء أن تحمّل هذا العام كل شعورٍ جديد على قلبي، وحياتي، رحلت أعظم إنسانة عرفتها في حياتي، جدتي والدة أبي، رحلت بعد صراعٍ طويل مع المرض، وصبر السنوات العشر وكأن الله يريد أن يطهّرها ويجهزها لمكانها في الجنة بلا جزاء ولا حساب، رحلت وتركت في قلوبنا كلنا فضاءً، ماتت الشامخة كالجبل، ذات القلب الطيب والحكمة والصبر والوقار، لتظل هي الذاكرة.
وهذا العام اختبرتُ صبري، وأيضًا وبشكلٍ لم أتوقعه أدركتُ معه الكثير من صفاتي، وأطباعي التي لم يسبق لي أن اختبرتها لأقيس وجودها في حياتي، كنتُ صبورة على الكثير خصوصًا مع اختلاف روتين يومي وحياتي ومعاناتي مع دراستي، كان صعبًا جدًا لكن استطعتُ أن أتجاوزه ودون أي خسائر نفسية، وقد قدرتُ هذا فيني وأدركتُ أني أستحقُ الاحترام حتى على أصغر الأشياء، نعم تعلمت هذا العام أن أحبني أكثر بكثير مما اعتدتُ عليه، وهذه نعمةٌ عظيمة.
وفي ختام هذا العام أودعه بقلبٍ خفيف، لقد تخلصتُ من ثقل هذا العام أثناء مروري بكل صعوباته، لم أراكم فيه شيئًا لذا الآن قلبي هو شديد الخفّة مفعم بالأمل -لم يغيّر هذا العام من طبعي هذا- ، أحلم بالكثير وأثق لن يخذلني الله.
اللهم اجعل 2021 وكل أعوامنا القادمة سعيدة، ودافئة، وبوافر الصحة والعافية.
ليلة الحادي والثلاثين من ديسمبر..... طارت الورقة الأخيرة!

تعليقات
إرسال تعليق