البيازين... قلبي ثقيل


البيازين – غرناطة
 
" رأيتُ على الجسرِ أندلسَ الحب والحاسة السادسة،
على دمعةٍ يائسة،
يحطُ الحمام
يطير الحمام "  *محمود درويش






 
منذُ ثلاثة أيام ما انفكيتُ أبحثُ وأقرأ عن غرناطة والبيازين تحديدًا، ذاك الحي الأندلسي العريق القابع شمال شرقي غرناطة مُطلًا عليها قصر الحمراء بكل شموخه.
أتأمل صور البيازين بأزقتها الضيقة المرصوفة، القرميد الذي يغطي أسطح منازلها البيضاء الزاهية، كدرائية سان سيلفادور أو جامع البيازين قبل السقوط والتنصير، أتخيل هذا منزل أبو جعفر الورّاق وهنا وُلد حسن وسليمة والأحفاد الستة، هنا عاش سعد مع سليمة بعد الزواج، هنا حكى نعيم لأم جعفر حكاياتٍ لا تفهمها وهنا ماتت أم جعفر ونعيم، وفي هذا الزقاق مارًا بالكدرائية لعب علي طفلًا وسار إلى عمله رجلًا، وفي أي جهة كان السوق الذي باعت فيه مريمة الكعك؟ أقيس طول الطريق من غرناطة إلى قرطبة وأتنهد لن تحتمل مريمة هذا الطريق الطويل ستموت هذه العجوز وبعد صفحتين فعلًا يصيح علي "ماتت جدتي".
 
 





 
هل عاد علي إلى غرناطة عندما هرب من الشاطئ أم مات في الطريق؟ واندثر تاريخ عائلة الورّاق!
آلمني كيف عاش علي، انفطر قلبي على حياته الهائمة، كيف انقضت سنينه الستة والخمسين يودّع كل ما يحبه، وبكيتُ كثيرًا حنينه لغرناطة والبيازين وحضن مريمة ووجه وردة وحكاوي نعيم.
رأيتُ في علي انعكاس ما عاشته كل عائلة الورّاق، كيف ماتوا كمدًا لا من شيءٍ آخر باستثناء سُليمة التي قتلتها النيران، عاش علي تائهًا، مكسورًا، يشكو الفقد وينازعه الحنين لكل شيء، وكُتب عليه أن يفارق كل من يحب وما يحب وكأنه كونك من البيازين وغرناطة والأندلس محض لعنة.
قرأتُ عن الأندلس منذ العاشرة من عمري وتعلقتُ بذلك الفردوس المفقود وكأني رأيته وفقدته، لكن ما كتبته رضوى في شخوصها قبل دموية التاريخ الذي حكته في "ثلاثية غرناطة" أشعرني أني لا أعرف هذا الفردوس وأنه ما كان إلا جحيمًا، تتنكرُ لك الأرض والسماء حتى مساجد الله ما عادت لله وتحتبس الحسرة في حلقك.
كيف انكسرت العزّة فلا جابر لها، يُصلّون خوفًا ويفرحون هربًا ويدفنون كتاب الله في صدورهم، تقتلهم الأحلام وانتظار نصرٍ لا يقترب، حتى اختنقت المنازل بما كتمته خلف أبوابها، وألقت بهم بعيدًا بعيدًا جدًا.
يقول أبو البقاء الرندي في رثائه الشهير للأندلس:
فجائعُ الدهرِ أنواعٌ منوعةٌ
وللزمان مسراتٌ وأحزانُ
وللزمانِ سلوانٌ يهونها
وما لما حل بالإسلامِ سلوانُ
 
تقول رضوى عن الثلاثيات "غرناطة ومريمة والرحيل" أنها كتبتها تحت وطأة الخوف كما لو كانت دفاعًا غريزيًا عن النفس، وأقول أنها كتبتها وهي تحلم وتشكو وتختنق وتئن وتزفر وتستجدي النوم، كيف تهاوى منزل أبو جعفر الورّاق رويدًا رويدً حتى تساوى بالأرض، طريقة الموت التي اتخذها أفراد الورّاق وكأنهم يتنافسون أيّهم يستحق دخول الجنة أولًا بما صبر حتى ذبل قلبه وانطفأ.
انطفأت الأندلس، وغرناطة، والبيازين .. أقفرت الأرض وصارت موحشة إلا قبر مريمة.
ويتبادر إليّ:
" وسنسأل أنفسنا في النهاية: هل كانت الأندلس هنا أم هناك؟
على الأرض .. أم في القصيدة؟ "
     لأقول والوحشة تفتك بقلبي " في السماء " .....


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

فوضى الأفكار..

2020.. تناثرت الأوراق المتساقط