شمسُ العمر، ساطعة ...
انطوى هذا العام..
ولا أعرف لم أستخدم كلمة انطوى
بالتحديد.. لكني أشعر أني خرجتُ منه وخرج مني كصفحة توسطت كتابًا ما، أحببتها
وأعطتني شعورًا غامرًا رغم أني قرأتها مرةً واحدة لكنها كانت كافية لأن أحتفظ بها
في قلبي ولا أعود إليها..
تنطوي صفحة هذا العام ولا أريد أن
أذكر ما أنجزت وما أخرت فيها، سأكتفي بوضع علامة بيضاء تذكرني دائمًا بأني كنتُ
سعيدة وكل يوم فيه أصبحتُ راضية.. أمسكتُ بلحظاتي السعيدة واحتفظتُ بها في قلبي
في هذا العام 2021 أكملتُ عامي السابع والعشرين، أجل سبعةً وعشرين
عامًا، أحيانًا تبدو كبيرة وأحيانًا لا أراها سوى لحظات ركضت داخلي، لكني شعرتُ
بها، حتى وإن ركضت فقد تعالت ضربات قلبي معها ليكبر قلبي مع كل ضربة فتستقر نفسي
وتهدأ.. الآن أشعرُ أني أعرف النضج، كيف يكون وماذا يعني..
في هذا العام تخلّصت من حالة وسواس
قهري كنتُ أعاني منها منذ عشرة أعوام، بدأت وأنا في عامي الأخير في الثانوية،
واستمرت طوال عشرة أعوام، لن أخوض في تفاصيلها لكني عانيتُ منها وأصابتني بالأرق
مراتٍ عديدة ولم أواجها أبدًا، هربتُ منها دائمًا وكأنها حالة طبيعية عاشت معي منذ
طفولتي، في لحظة ما وأنا أعاني قلت "ياربي ساعدني" وبكيت.. في تلك
اللحظة استشعرتُ معاناتي واعترفت، كان صعبًا لكني فعلتها ولا أشعرُ بالفخر فلقد
تأخرتُ كثيرًا، لم أطرق باب المختصين النفسيين أعترف، بحثتُ في الانترنت فقط ومن
ثم تعالجتُ بأمرين بالدعاء ومواجهتي للمشكلة، عانيتُ الأمرّين عدة أشهر أشعر أني
تعافيت لتعود الانتكاسة وتذوب أعصابي، لكني لم أيأس والآن مر أكثر من شهر ونصف ولم
تعاودني الأعراض إلا مرة وبشكل عرضي.. ولا أذكرها إنجازًا لكن مراتٍ كثيرة يكون
الحل سهلًا لكننا نستمر بالهرب، حتى نبتعد ونضيعه، لذلك تعلمتُ درسًا..
هذا العام عرفتُ شعورًا جديدًا
لذيذًا، دافئًا، عذبًا وشديد الخصوصية؛ أصبحتُ خالة لطفلٍ غمرنا بالسعادة والحب
كالـ"غيث"، جاء غيث في مطلع الصيف، ليعطيني سببًا مقبولًا لأحب الصيف أكثر،
وكان الإحساس كالصيف بهيجًا، دافئًا مليئًا بالفرح والصخب.. فعلّمني كيف شممتُ
رائحته لأول مره أن الحب شعورٌ إلهي يغمرك في لحظة فتصدقه وتثق به وتتبعه دون أن
تخاف الندم، لا أعرف رائحة الجنة لكن في تلك اللحظة بدا لي كذلك فلم تكن رائحةً
أعرفها ولم أتخيلها، أبهجتني كم لم أبتهج بحياتي من قبل، كأن قلبي طار للجنة..
قرأتُ مقولةً أضاءت داخلي، تقول فيها
ميّ زيادة: "أستطيع أن أقول إن
أهم ما أثر في مجرى حياتي الكتابية ثلاثة أشياء: أولها النظر إلى جمال الطبيعة،
والثاني القرآن الكريم بفصاحته وبلاغته الرائعة، والثالث الحركة الوطنية التي
لولاها ما بلغت هذه السرعة في التطور الفكري".
لكني أقول أن ما أثر في حياتي
وسلامة روحي وقلبي كانت الطبيعة، والقرآن؛ لكني لا أجزم ولا أنفي إن كانا أثرا على
كتابتي ولغتي وأسلوبي وطريقة تفكيري، فلازلتُ أبحث عن شاطئٍ أرسو عليه، لكنني أدرك
أن تسارع التطوّر من حولي أثر كثيرًا في انفتاحي وتقبلي ومفهوم الحرية لديّ، وما
أرفضه قطعًا ولا أقبله..
كما أني لازلتُ لا أعرف إن كان
ارتباطي بالطبيعة هو بسبب نشأتي في قريتي الصغيرة أو أنه شعور غريزي مختلف تعرّفتُ
عليه مع مرور الزمن فيّ، لكني أحبها وأرتبطُ بها بطريقة مختلفة، وأعرف أنها مميزة،
لأني أشعرُ بها ولا أشاهدها، يمكنني الوقوف لمدة ساعة كاملة مغمضةً عينيّ أستشعر "لفح"
الهواء على وجهي وشعري وبين أصابعي، بعد الدقيقة الثالثة من هذا الوقوف يمكنني أن
أسمع أصواتًا لم أسمعها، وقد لا يسمعها أحد وذلك يشعرني بالتحرر وكأني أطير..
وإن كنتُ لا أعرف سر ارتباطي
بالطبيعة إلا أنني أعرف جيدًا ارتباطي بالقرآن، كان ارتباطًا تدريجيًا، نشأ من
خوفي من وحدتي، وكبر والأيام تمر وروحي خاوية، خفتُ على نفسي من البرد والوحدة
والفراغ، وكنتُ أعرف أن ربيعي فيه، وعرفتُ كيف أجده..
كنتُ أظن أني عرفتُ الكثير هذا
العام، لكن يبدو أنني لازلتُ لا أعرف شيئًا، لا عني ولا عن ما هو حولي، لكني أجد
متعتي بالتفكير والبحث والتجريب حتى وإن كنتُ أعيش كثيرًا من المغامرات في رأسي،
لكن الأسئلة التي تنقر فضولي، والإجابات التي تصيبني بالشك، تجعلني أشعر بالحياة،
فلا أريد أن أفقد هذا الشغف ولذته..
انطوى هذا العام.. وآمل أن أمسك
العام القادم بقلبي ليحفظ لي الكثير من لحظات الفرح والنصر بتحقق أمنياتي المعلّقة،
لأني سأستمر بالمحاولة وأنا مؤمنة بالوصول.. لا شيء يحدث عبثًا ولا شيء يتأخر إلا
ليكون خيرًا أكثر وأكبر.
تعليقات
إرسال تعليق